الشيخ محمد رضا مهدوي كني
277
البداية في الأخلاق العملية
والقانونية ، ولا يتعرض المرء للمؤاخذة القانونية على مجرد الرضا عن عمل الآخرين ولا يحاكم عليه كمجرم أو معين على الجريمة . ولكن هدفنا من إثارة هذا البحث هو الاهتمام بالانعكاسات الأخلاقية والاجتماعية التي تعكسها النية ، والتي تطال الانسان على شكل آثار وضعية شاء أم أبى . فالشخص الذي يرضى بقتل انسان بريء - مثلا - فمن الطبيعي ان يكون مشتركا في الضمير والطبع مع القاتلين أو القاتل ، وان لم يشترك معهم عمليا في ذلك ولم يقصد ارتكاب مثل تلك الجريمة . فهذه التبعية القهرية في الآثار الوضعية ، سنّة طبيعية أو قانون اجتماعي ولا بد أن تفرض نفسها على كلّ مجتمع شاء ذلك أم لم يشأ ، ولا يستثنى منها اي فرد من افراد المجتمع ، وهي أشبه بما يعرض للمجتمع من أحداث مهمة كالنصر والهزيمة ، والبلاء والنعمة ، والخير والمجاعة ، فإنها احداث لا تلتقط الأفراد التقاطا ولا تشمل فئة وتستثني أخرى ، ولو افترضنا انّ فئة ما قد نجت من البلاء الذي عمّ مجتمعا أو قوما ما ، إلّا انها لن تكون بمنأى عن آثاره أبدا ، إذ انّ الأضرار المالية والثقافية والمعنوية ، وضياع المصادر والطاقات العلمية والاقتصادية والاجتماعية خلال الكوارث والنكبات العامة ليست بالأشياء التي تطال نتائجها السلبية فريقا دون آخر أو عدة معدودة من افراد المجتمع ، وهذه حقيقة عبّر عنها القرآن قائلا : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً . . . « 1 » . فمن الممكن ان يهرب الانسان من يد العدالة بمختلف السبل كالانكار وعدم وجود الأدلة الكافية التي تثبت الجريمة ، أو من خلال العفو الذي يحصل عليه ، لكنه لا يستطيع الفرار من سنن الخلقة ، إذ : « ولا يمكن الفرار من حكومتك » . وقال اللّه تعالى في قرآنه الكريم : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ . . . « 2 » .
--> ( 1 ) الأنفال / 25 . ( 2 ) النساء / 9 .